يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قصة قصيرة

 الشجرة الحزينة 

سحر حمزة

 

تسود في مجتمعنا  العربي، بعض المعتقدات الخاطئة التي تعكس الجهل وعدم المسؤولية،  فيردد الناس أمثلة يقتدون بها مع أنها ذات إنعكاس سلبي على حياتهم وعلاقتهم مع أنفسهم ومع ألاخر. وكذلك في كل زمان قصة وحكاية تنفع كل الأزمان.

كان يا مكان في سالف العصر والزمان.. كان العم حسن  يملك بستاناً  مليئاً  بالأشجار المثمرة ، مثل التين والزيتون والبرتقال والعنب والتفاح والمشمش والدراق والكرز. وكان يحرص على إصطحاب أبنائه إلى البستان ليغرس في نفوسهم حب الأرض وليساعدوه في أعمال الزراعة والحراثة وسقاية الأشجار.

والعم حسن كان كلّما غرس شجرة غرس في نفوس أبنائه عشق الأرض التي تحتضنها، وكان يعلم أولاده أن علاقة الإنسان مع الأرض علاقة انتماء مثل هذه الشجرة التي تطعمنا من ثمارها وتظللنا بفيء أغصانها وتدفئنا بحطبها. وكذلك هذه الأرض التي نبني عليها مساكننا فوق ترابها، ويؤكد لهم واجب الحرص عليها، لأن التراب أغلى من التبر الأصفر الذي يعشق البشر رنينه.

كان  العم حسن يوزع العمل فيما بينهم ، فيوكل لكل واحد منهم مهمة. واحد لسقاية الأشجار، آخر لتقليمها ، وثالث يزيل العشب من حولها، ورابع يقطف الثمار الناضجة ويجمعها، والخامس وهو أصغرهم، يرقب ويلعب من حولهم.

عند المغيب حين تبدأ الشمس بالغروب خلف الأفق البعيد، يعود الجميع إلى البيت يأكلون  بعض الثمار التي تم جمعها من البستان ، والباقي يتم تعبئته في صناديق ليباع في سوق الخضار في اليوم الثاني وبعد أنم تقوم الوالدة بإعداد الطعام من الخضار التي حملوها معهم من البستان يتحلق الجميع لتناول الطعام وفي عيونهم شكر لله على نعمه، وعلى ما رزقهم ويسّر لهم من البستان، وقبل النوم يبدأ العم حسن براوية القصص لهم كي يتعلموا المزيد من حكاياه التي تفيدهم في حياتهم  وكانت معظم حكاياه حول الأرض والأشجار، فيحدثهم عن الأرض  التي يجب أن ندافع عنها بأرواحنا كي لا يستولي عليها غريب أو يغتصبها أحد، ويحثهم على التمسك بها دائماً ، فكانوا يحفظون ما يسمعون، ويستنسخوه في ذاكرتهم كي لا ينسوه لأنها دروس تضيء لهم دروب الحياة على مر الأزمان .

 كان  المشهد نفسه يتكرر يومياً. أما صغيرنا ماجد كان يرفض أخذ نصيبه من ثمار الفاكهة، بهز كتفيه وطأطأة رأسه بحركة طفولية بريئة، وكانت تتوشح ملامحه بتعابير حزن كبير ترافق استدارة وجهه الصغير، وببراءة الطفولة يهز رأسه معبراً عن شيء مرفوض في داخله. وحين يسأله والده عن سبب رفضه تناول الفاكهة، يكون جوابه صمت طويل. وذات مرة نطق ماجد فجأة، وصرخ بأعلى صوته : "لماذا لا تعتنون بشجرة الدراق الصغيرة  أسفل البستان؟ ولماذا لا تسقونها كباقي الأشجار وتعتنون بها كغيرها" ؟ ضحك الجميع منه، و بدأوا يتهامسون في أمره.

اقترب منه العم حسن  وقال له : ألا تعلم يا ولدي أن  الشجرة التي لا تثمر حلال قطعها . فأستهجن ماجد ورد بعنف: "ما ذنبها يا أبي؟ لماذا تلاقي هذا الإهمال والنكران"؟

 أجلسه الوالد على ركبتيه  وقال له : حين تكبر يا بني ستدرك معنى هذه الأشياء.

وأمرهم بالخلود إلى النوم، وحين ذهبوا هزّ العم حسن رأسه وقال في نفسه "ماجد ولد غير الآخرين، وفي داخله شيء مّا " . ومن شدة التعب غلبه النعاس ونام نوماً عميقاً.

أما  صغيرنا ماجد فبقي مستيقظاً طوال الليل  يفكر ويفكر، وفي ساعة السحر حين بدأ الفجر يستأذن الليل بالدخول ليحل مكانه، قام ماجد من فراشه متسللاً دون جلبة، كي لا يشعر به أو يسمعه أحد، وانطلق مسرعاً  نحو البستان وفي يده إبريق ماء وبعضاً من السماد، وتوجه إلى شجرة الدراق ألقى عليها تحية الصباح وهو يتلمس أغصانها بأنامله الطرية. وانحنى قرب جذعها، فبذر ما كان معه من السماد وسقاها من الماء الذي أحضره في إبريقه الصغير. فجأة تطايرت الأوراق الجافة، وكأن الحياة عادت في أوصالها. وحين رأى ما رأى من الشجرة وكيف تمايلت وأهتزت وهي تخلع ثوبها المهتريء وترتدي ثوبها الأخضر الجميل من جديد، خاطبها في نفسه : "لن أتركك.. سوف أرعاك رغماً عنهم وستكونين مثل باقي شجر البستان".

عاد إلى فراشه دون أن ُشعر به أحد. 

وكان الجميع يذهبون كل يوم إلى الابستان لكن أحدا لم يلحظ أن الشجرة الحزينة والتي كان الجفاف يميت اوراقها وأغصانها، بدأت تنمو من جديد، نتيجة زيارات ماجد لها خلسة للعناية بها.

وفي أحد الأيام، مر العم حسن قرب الشجرة التي كان يعهدها يابسة مهترئة، وتفاجأ بما رأى، فالشجرته التي كانت على وشك الموت، عادت للحياة، فنادى أولاده وقال تعالوا أنظروا إلى الشجرة، ما عادت متيبسة ولا عارية الأوراق، ها هي أغصانها تتعافى وأوراقها بدأت تكسو الأغصان، وكان ماجد يرقب علامات الدهشة على وجوه الجميع ويسمع كلمات استغرابهم وفي عيونه فرح كبير، وفي ملامحه ألف قصة وحكاية، وقد بدت عليه السعادة، فبدأ أخوته يتبادلون النظرات وبتغامزون عليه، فإبتسم وقال بصوت عال، ما رايك يا أبي، هل صحيح يا أبي أن الشجر الذي لا يثمر حلال قطعه؟؟.. أرأيت يا أبي.. لقد حفظت ما قلته بأن الشجر يمنحنا الحياة ومنه نأكل الثمار وبه نستظل من حرارة الشمس الحارقة، ومن أخشابه نشعل النار وكذلك في أوراقه فوائد عدة، واسألوا أمي وجدتي أنهن يعرفنها. وهناك الكثير يا أبي نأخذه من الأشجار، فكيف نهملها ولماذا نقطعها، وها هي شجرة الدراق خير مثال على ذلك .

صمت العم حسن مطولاً وقال لقد غلبتني وفزت بشجرة الدراق، لقد علمتنا دروساً يا ماجد نكن ندركها مع انها من صميم حياتنا وليس درساً واحداً، ولنعد للعمل يا أولادي ونتبع نصائح معلمنا ماجد الصغير .

فقال ماجد :لا يا أبي أنت قدوتنا، لكن شجرة الدراق كانت حزينة، وتغار ممن حولها من الأشجار التي أهتميتم بها وأهملتموها، مع أن ثمرها لذيذ وانا أحبه وهي كثيرة العطاء إذا وجدت من يعتني بها.

وعاد الجميع إلى مواصلة عملهم، مع حرصهم على كافة الأشجار في البستان .

وبعد اشهر قليلة نادى ماجد بصوت عال والدي.. أخوتي..  تعالوا.. انظروا إلى شجرة الدراق، لقد أثمرت الكثير من ثمارها، سأجمعها لكم اليوم وستكونون معي في احتفاليتي الخاصة على شرف شجرة الدراق التي أعطتنا ما يُفرح قلوبنا ويجمعنا على خدمة الجميع دون إستثناء . فضحك العم حسن وقال بثقة : "الآن أنا مرتاح، فقد تعلمنا الكثير من ماجد، وأطمأن قلبي على بستاني، الذي سيكون لكم بعد مماتي، فأسرع الأولاد الخمسة يضمون والدهم بحب وقالوا له أنت البستان الذي لن يموت بذكره الطيب وعطاءه المستمر، وبستانك سيبقى حياً برعاية الله وحرصك علينا كما تحرص على شجره وخاصة شجرة الدراق التي كانت حزينة وزال حزنها بحب ماجد وحرصه عليها ورعايته لها، وهذا جزء من إرثنا الغالي يا والدنا الحبيب.


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • أراء خاصة
  • مواضيع المجلة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • فيافي الأقلام
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية
  • إصدارات
  • كلمات في الخاطر

      الجديد :



 الرحيل...

 مقاومة بالمحكي

 تواشيح الورد أنموذجا

 الكاتب والشاعر محمد الدسوقي في قصيدته أرأيتم دمشق:

 أرأيتم دمشق ..؟!

 أرملة العنكبوت للقاصة هيام الفرشيشي: لعبة الكتابة والتلقي

 رواية طمارة كما شاءت.. لمراد البجاوي

 روعة يونس في أعلى من سماء:

 تقديم كتاب: تعارضات المركز والهامش في الفكر المعاصر

 سليمان العيسى... وريث النكبات وشاعرها


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 تجاوز المكان واللجوء إلى اللغة

 سيول الفراغ

 حين طوقوا أعناق المدن.

 وداعا يا حبيبتي...

  تحت مخدة الكون

 النموذج الإنساني الكامل

 المواطن المجهول*

 من مداخلات مهرجان سوسة للمبدعات العربيات

 الغيوم التي في الضواحي : محمد علي شمس الدين

 ليلــــــــــــــــة عبــــــــــث


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

نعتذر من زوار موقع دليل الكتاب

D a l i l    A l  K i t a b   .   N e t

عن توقف الموقع بسبب التحديث

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
dalil-mag@hotmail.com


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net